حيدر حب الله
40
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
2 - 1 - خلوّ النص القرآني من أساسيات الشروط الفقهية السائدة للأمر والنهي ومراتبهما إذا لاحظنا الآيات الكريمة نجدها : أ - على صعيد الشروط الفقهية لهذه الفريضة ، لا دلالة فيها على شرط علم العاصي بالمعصية ، أو إصراره عليها ، أو احتمال التأثير احتمالًا معتداً به ، فلا نجد عيناً ولا أثراً لهذه الشروط في القرآن الكريم ، وإنما الموجود هو أن تأمر الآخرين بفعل المعروف عندما لا يقومون به ، أكانوا عالمين به أم لا ، وهكذا الدعوة إلى الخير ، فهي مفهوم لا يختصّ بحالة علم الطرف الآخر بالخير وتركه له ، بل تشمل حالة تركه له عن جهل ما دام فعله له فيه الخير له وللإسلام والمسلمين والناس ، فاستناداً لإطلاقات الآيات وعموماتها يجري نفي هذه الشروط على مستوى الفقه القرآني ، وحينئذٍ فلابدّ لإثباتها من العودة إلى نصوص السنّة الشريفة . وفي مقابل هذا الكلام ، قد يقال بأنّ القرآن الكريم شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوجود احتمال التأثير احتمالًا كبيراً ؛ وذلك استناداً إلى قوله تعالى : ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) ( الأعلى : 9 ) ، وقال تعالى : ( . . . فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ) ( ق : 45 ) ، وكذلك قال سبحانه : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الذاريات : 55 ) ، وقال تعالى : ( طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ) ( طه : 1 - 3 ) ؛ فإنّ هذه الآيات كأنها تجعل التذكير لمن يُرجى منه التأثر والاستجابة - وبنسبة احتمالية عالية - لا مطلقاً ، حيث وصفت المذكَّر بأنّه من المؤمنين وممّن يخشى ويخاف الوعيد الإلهي و . . فكيف نوفّق بين هذه الآيات وبين الاستنتاج السابق ، والذي توصّلنا من خلاله إلى تضاؤل قوّة الاحتمال المأخوذ في شرط التأثير ؟ والذي يبدو أنّ ظاهر الآية الأولى وروح سائر الآيات وإن أوحى بهذا الشرط ، إلا أنّ المدلول الجدّي لها هو الذمّ « 1 » ؛ فهي تقول : فذكّر هؤلاء القوم ، هذا إذا نفع
--> ( 1 ) انظر : الزمخشري ، الكشاف 4 : 244 .